ابراهيم الأبياري
380
الموسوعة القرآنية
ثم سألهم الحجاج عن أرباعه . فإذا أول ربع خاتمة سورة الأنعام . والربع الثاني الكهف وَلْيَتَلَطَّفْ ( الآية : 19 ) والربع الثالث خاتمة « الزّمر » ، والربع الرابع ما بقي من القرآن . كانت هذه نظرة الحجاج مع القراء والحفاظ ، وكانت تجزئته للقرآن بوفق عدد حروفه ، ولقد رأيناه كيف جزّأه نصفين ، ثم أسباعا ، ثم أثلاثا ، ثم أرباعا . وما نظن الحجاج كان يستملى في هذه التجزئة إلا عن تفكير في التيسير ، فجعله نصفين على القارئ المجد ، ثم أثلاثا على اللاحق ، ثم أرباعا على من يتلو اللاحق ، ثم أسباعا على من يريد أن يتمه في أسبوع ، وكانت ذلك هي النهاية التي أحبها الحجّاج للمسلمين ، وكأنه لم يحب لهم أن يتجاوزوها ، لذلك لم يمض مع القراء والحفاظ يسألهم عما بعدها ، ونحن نعلم أن الحجاج كان يقرأ القرآن كله في كل ليلة « 1 » . وحين نظر الحجاج في القرآن يجزئه هذه التجزئة التي تحدها الحروف ، بدأ غيره من بعده ينظرون في تجزئة القرآن تجزئة تمليها الآيات ، فقسموه أنصافا ، وأثلاثا ، وأرباعا ، وأخماسا ، وأسداسا ، وأسباعا وأثمانا ، وأتساعا ، وأعشارا . وما نظن هؤلاء الذين جاءوا في إثر الحجاج بهذه التجزئة التي تخالف تجزئة الحجاج كانوا يستملون إلا عن مثل ما استملى الحجاج عنه ، وهو التيسير ، ثم الإرخاء في هذا التيسير ، ثم تخصيص كل يوم بنصيب لا يزيد ولا ينقص ، وكان أقصى ما أرادوه لكل مسلم أن يتم قراءة القرآن في أيام لا تعدو العشرة . ولقد مر بك قبل ، عند الكلام على عد آيات القرآن ، ما كان من خلاف يسير علمت سببه ، ولكن هذا الخلاف اليسير في عد الآيات جر إلى خلاف يسير في هذه التجزئة . ولقد كانت فكرة الحجاج ، وفكرة من جاء بعد الحجاج ، في تجزئة القرآن هي التيسير على التّالى ، ولكن الحجاج كان متشدّدا ، متشددا على نفسه أولا ، كما رأيت ، فلم يجاوز في تيسيره إلى غير سبعة أيام ، ولكن من جاءوا بعد الحجّاج لم يكونوا على تشدّد الحجاج فأرخوا شيئا في التيسير وزادوا الأيام إلى عشرة . وما وقف التيسير عند هذا الحد الذي انتهى إليه الذين جاءوا في إثر الحجاج ، بل نرى الميسّرين أرخوا للقارئين إلى أن يلغوا بهم الثلاثين ، فإذا القرآن مجزّا إلى ثلاثين جزءا .
--> ( 1 ) المصاحف ( ص 119 - 120 ) .